google.com, pub-8030460562218340, DIRECT, f08c47fec0942fa0

حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان

حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان

    حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان



    حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان



    الشكر لله الذي استكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد نبي التوبة والرحمة.
    أما في أعقاب: فقد أفاد الله سبحانه وتعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3] الآية من سورة المائدة، وتحدث تعالى: أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21] الآية من سورة الشورى.
    وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله سبحانه وتعالى عنها عن النبي ﷺ أفاد:{ من أجدد في أمرنا ذلك ما ليس منه فهو رد} وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله سبحانه وتعالى عنه، أن النبي ﷺ كان يقول في خطبة يوم الجمعة: أما عقب: { فإن خير الجديد كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الموضوعات محدثاتها وكل بدعة ضلالة }
    والآيات والأحاديث في ذلك المعنى كثيرة، وهي تدل إشارة صريحة على أن الله تعالى قد استكمل لتلك الأمة دينها، وأتم عليها نعمته، ولم يتوف نبيه صلى الله عليه وسلم سوى بعد أن وصل البلاغ الموضح، وبين للأمة كل ما شرعه الله لها من أقوال وأعمال، وذكر ﷺ أن كل ما يحدثه الناس بعده وينسبونه إلى دين الإسلام من أقوال أو إجراءات، فكله بدعة عائد على من أحرزه، ولو حسن قصده، وقد عرف أصحاب رسول الله ﷺ الشأن، وبالتالي علماء الإسلام بعدهم، فأنكروا البدع وحذروا منها، مثلما أوضح هذا كل من صنف في تعظيم السنة وإنكار البدعة كابن وضاح، والطرطوشي، وأبي شامة وغيرهم. 

    ومن البدع التي أحدثها بعض الناس: بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان، وتخصيص يومها بالصيام، وليس على هذا دليل يجوز الاعتماد عليه، وقد ورد في فضلها أحاديث هزيلة لا يجوز الاعتماد عليها. 
    أما ما ورد في فضل الصلاة فيها، فكله موضوع، مثلما نبه على هذا عديد من أهل العلم، وسيأتي أوضح بعض كلامهم إن شاء الله وورد فيها ايضاً آثار عن بعض السلف من أهل الشام وغيرهم، والذي أجمع عليه حشْد العلماء أن الاحتفال بها بدعة، وأن الأحاديث الواردة في فضلها كلها هزيلة، وبعضها موضوع، وممن نبه على هذا الحافظ ابن رجب، في كتابه: (لطائف المعارف) وغيره، والأحاديث الضعيفة إنما يعمل بها في العبادات التي قد استقر أصلها بأدلة صحيحة، أما الاحتفال بليلة النصف من شعبان، فليس له أصل صحيح حتى يستأنس له بالأحاديث الضعيفة.
    وقد أوضح تلك القاعدة الجليلة الإمام: أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وأنا أنقل لك أيها القارئ، ما قاله بعض أهل العلم في تلك المسألة، حتى تكون على بينة في هذا، وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن اللازم: رد ما تنازع فيه الناس من المسائل إلى كتاب الله- سبحانه وتعالى، وإلى سنة رسول الله ﷺ، فما حكما به أو أحدهما فهو الشرع اللازم الاتباع، وما خالفهما وجب اطراحه، وما لم يرد فيهما من العبادات فهو بدعة لا يجوز فعله، فضلا على الدعوة إليه وتحبيذه، مثلما أفاد سبحانه في سورة النساء : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59] وتحدث تعالى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10] الآية من سورة الشورى، وصرح تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران:31] الآية من سورة آل عمران، وصرح سبحانه وتعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] والآيات في ذلك المعنى كثيرة، وهي مقال في ضرورة رد مسائل الجدل إلى الكتاب والسنة، وضرورة الرضى بحكمهما، وأن هذا هو مقتضى الإيمان، وخير للعباد في العاجل والآجل، وأحسن تأويلا: أي خاتمة.
    أفاد الحافظ ابن رجب-رحمه الله- في كتابه: (لطائف المعارف) في تلك المسألة- في أعقاب خطاب في وقت سابق- ما نصه: (وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام؛ كخالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر وغيرهم، يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنه بلغهم في هذا آثار إسرائيلية، فلما اشتهر هذا عنهم في البلاد والمدن، اختلف الناس في هذا فمنهم من قبله منهم، ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر هذا أكثر علماء الحجاز، منهم: منح، وابن والدي مليكة، ونقله عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: هذا كله بدعة واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين:
    أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد.كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيا.م، ويتبخرون ويتكحلون، ويقومون في المسجد ليلتهم هذه، ووافقهم إسحاق بن راهويه على هذا، وتحدث في قيامها في المساجد جماعة: ليس هذا ببدعة، نقله حرب الكرماني في مسائله.
    والثاني: أنه يكره الندوة فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء، ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة ذاته، وذلك قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم، وذلك هو الأكثر قربا إن شاء الله سبحانه وتعالى، حتّى صرح: ولا يعلم للإمام أحمد خطاب في ليلة 1/2 شعبان، ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان: من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد، فإنه (في قصة) لم يستحب قيامها جماعة لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ وأصحابه، واستحبها (في حكاية) لتصرُّف عبدالرحمن بن يزيد بن الأسود لهذا وهو من التابعين، فكذلك قيام ليلة النصف، لم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، قفزت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام).
    اختتم المقصود من خطاب الحافظ ابن رجب رحمه الله، وفيه الإشعار منه بأنه لم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه رضي الله سبحانه وتعالى عنهم شيء في ليلة النصف من شعبان، وأما ما اختاره الأوزاعي رحمه الله من استحباب قيامها للأشخاص، واختيار الحافظ ابن رجب لذلك القول، فهو غريب وضعيف؛ لأن جميع الأشياء لم يثبت بالأدلة الشرعية كونه مشروعاً، لم يجز للمسلم أن يحدثه في دين الله، سواء فعله مفردا أو في جماعة، وسواء أسره أو صرح به. لعموم قول النبي ﷺ: من أجدد في أمرنا ذلك ما ليس منه فهو رد وغيره من الدلائل الدالة على إنكار البدع والتحذير منها.
    وتحدث الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله في كتابه: النكبات والبدع ما نصه: (وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم، صرح: ما أدركنا أحداً من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى عصري مكحول، ولا يشاهدون لها فضلاً على ما سواها). وقيل لابن والدي مليكة: إن زيادا النميري يقول: (إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر، فقال: لو سمعته وبيدي عصا لضربته وقد كان زياد قاصاً، اختتم المقصود.
    وصرح العلامة: الشوكاني رحمه الله في: (الإمتيازات المجموعة) ما نصه: (عصري: يا علي من صلى مائة ركعة ليلة النصف من شعبان يقرأ في جميع ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو الله واحد من عشر مرات قضى الله له كل احتياج إلخ وهو موضوع، وفي ألفاظه المصرحة بما يناله فاعلها من المكافأة ما لا يمتري إنسان له مفاضلة في وضعه، ورجاله مجهولون، وقد روي من سبيل ثانية وثالثة كلها موضوعة ورواتها مجاهيل، وصرح في: (المختصر): (عصري صلاة 1/2 شعبان باطل، ولابن حبان من عصري علي: لو كان ليلة النصف من شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها، هزيل. وتحدث في: (اللآلئ): مائة ركعة في 1/2 شعبان بالإخلاص عشر مرات مع طول فضله، للديلمي وغيره موضوع، وجمهور رواته في الأساليب الثلاث مجاهيل ضعفاء صرح: واثنتا عشرة ركعة بالإخلاص ثلاثين مرة موضوع وأربع عشرة ركعة موضوع.
    وقد اغتر بذلك الجديد جماعة من الفقهاء كصاحب (الإحياء) وغيره وإضافة إلى من المفسرين، وقد رويت صلاة تلك الليلة- أعني: ليلة النصف من شعبان على مناطق غير مشابهة كلها باطلة موضوعة، ولا ينافي ذلك قصة الترمذي من عصري عائشة لذهابه ﷺ إلى البقيع، ونزول الرب ليلة النصف إلى سماء الدنيا، وأنه يغفر لأكثر من عديدة شعر غنم كلب، فإن الخطاب إنما هو في تلك الصلاة الموضوعة في تلك الليلة، على أن عصري عائشة ذلك فيه تدهور وانقطاع، مثلما أن عصري علي الذي تقدم ذكره في قيام ليلها، لا ينافي كون تلك الصلاة موضوعة، على ما فيه من التدهور حسبما ذكرناه) اختتم المقصود.
    وتحدث الحافظ العراقي: (عصري صلاة ليلة النصف موضوع على رسول الله ﷺ وكذب عليه).
    وصرح الإمام النووي في كتاب: (المجموع): (الصلاة المعروفة بصلاة الرغائب، وهي اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء، ليلة أول جمعة من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة، هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب: (قوت القلوب)، و(إحياء علوم الدين)، ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل هذا باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما، فإنه غالط في هذا).
    وقد صنف الشيخ الإمام: أبو محمد عبدالرحمن بن إسماعيل المقدسي كتاباً نفيساً في إبطالهما، فأحسن فيه وأجاد، وكلام أهل العلم في تلك المسألة عديد للغايةً، ولو ذهبنا ننقل كل ما اطلعنا عليه من خطاب في تلك المسألة، لطال بنا الخطاب، ولعل فيما ذكرنا كفاية ومقنعاً لطالب الحق.
    ومما تقدم من الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم، يظهر لطالب الحق أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة أو غيرها، وتخصيص يومها بالصيام بدعة منكرة نحو أكثر أهل العلم، وليس له أصل في الشرع المطهر، بل هو الأمر الذي وقع في الإسلام في أعقاب عصر الصحابة رضي الله سبحانه وتعالى عنهم، ويكفي طالب الحق في ذلك الباب وغيره قول الله سبحانه وتعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة:3] وما أتى في معناها من الآيات، وقول النبي ﷺ:{ من أجدد في أمرنا ذلك ما ليس منه فهو رد } وما أتى في معناه من الأحاديث، وفي صحيح مسلم عن والدي هريرة رضي الله سبحانه وتعالى عنه صرح: صرح رسول الله ﷺ:{ لا تخصوا ليلة يوم الجمعة بقيام من ضمن الليالي ولا تخصوا يومها بالصيام من ضمن الأيام لكن يكون في صيام يصومه أحدكم }
    فإن كان تخصيص شيء من الليالي، بشيء من العبادة جائزا، لكانت ليلة يوم الجمعة أولى من غيرها. لأن يومها هو خير يوم طلعت عليه الشمس، بنص الأحاديث السليمة عن رسول الله ﷺ، فلما نصح النبي ﷺ من تخصيصها بقيام من ضمن الليالي، دل هذا على أن غيرها من الليالي من باب أولى، لا يجوز تخصيص شيء منها بشيء من العبادة، سوى بدليل صحيح يدل على التخصيص. ولما كانت ليلة القدر وليالي رمضان يشرع قيامها والاجتهاد فيها، نبه النبي ﷺ على هذا، وتحميس الأمة على قيامها، وفعل هذا بنفسه، مثلما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه صرح:{ من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه }ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه فلو كانت ليلة النصف من شعبان، أو ليلة أول جمعة من رجب أو ليلة الإسراء والمعراج يشرع تخصيصها باحتفال أو شيء من العبادة، لأرشد النبي ﷺ الأمة إليه، أو فعله بنفسه، ولو حدث شيء من هذا لنقله الصحابة رضي الله سبحانه وتعالى عنهم إلى الأمة، ولم يكتموه عنهم، وهم خير الناس، وأنصح الناس في أعقاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ورضي الله عن أصحاب رسول الله ﷺ وأرضاهم.
    وقد عرفت آنفا من خطاب العلماء أنه لم يثبت عن رسول الله ﷺ، ولا عن أصحابه رضي الله سبحانه وتعالى عنهم شيء في فضل ليلة أول جمعة من رجب، ولا في ليلة النصف من شعبان، فعلم أن الاحتفال بهما بدعة محدثة في الإسلام، وبالتالي تخصيصها بشيء من العبادة، بدعة منكرة، وبذلك ليلة سبع وعشرين من رجب، التي يعتقد بعض الناس أنها ليلة الإسراء والمعراج، لا يجوز تخصيصها بشيء من العبادة، مثلما لا يجوز الاحتفال بها، للأدلة الفائتة، ذلك لو علِمت، فكيف والصحيح من أقوال العلماء أنها لا تعرف، وقول من أفاد: أنها ليلة سبع وعشرين من رجب، قول باطل لا أساس له في الأحاديث السليمة، ولقد أحسن من صرح:
    وخير الأمـور السالفات على الهدى وشر الموضوعات المحدثات البدائع والله المسؤول أن يوفقنا وسائر المسلمين للتمسك بالسنة والثبات عليها، والحذر الأمر الذي خالفها، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    إرسال تعليق

    �����
    �����
    �����
    �����
    google.com, pub-8030460562218340, DIRECT, f08c47fec0942fa0 google.com, pub-8030460562218340, DIRECT, f08c47fec0942fa0